Uncategorized

[:ar]فهم بعض أحاديث النـكاح والنسـل [:]

[:ar]

المبحث السابع 

فهم بعض أحاديث النكاح والنسل

يقول نبينـا (صلى الله عليه وسلم) : (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ)([1]).

ويقـول (صلى الله عليه وسـلم) : (تَـزَوَّجُـــوا الْوَلُودَ الْوَدُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ)([2]) .

 ففي قوله (صلى الله عليه وسلم) : (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ …) نلحــظ أن النبي (صلى الله عليـه وسلم) اشترط الباءة التي تشمل القدرة على الإنفاق وتحمل تبعات بناء الأسرة كشرط للزواج, ومن باب أولى فهي شرط للإنجاب , فما بالكم بالإنجاب المتعدد؟! ألم يقل النبي (صلى الله عليه وسلم) : (كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يقوت)([3]).

ولو لم تكن الباءة المقصودة متضمنة القدرة على القيام بجميع تبعات الزواج المالية والاجتماعية ، لما قال (صلى الله عليه وسلم) : (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ) ؛ إذ لو كان الاعتبار بالقوة الجسدية وحدها لاكتفى بقوله (صلى الله عليه وسلم) : (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ) ، ولما كان هناك حاجة إلى التكميل والتتميم بقوله (صلى الله عليه وسلم) : (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ) .

أما قوله (صلى الله عليه وسـلم) : ( تَـزَوَّجُـــوا الْوَلُودَ الْوَدُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ) فيتوجه المعنى إلى الكثرة النافعة المنتجة القوية التي يقول فيها سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : ( المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعيفِ وَفي كُلٍّ خَيرٌ )([4])، وهذه القوة التي تشمل سائر جوانب القوة – في الفكر , والثقافة , والمستوى الإيماني ، والتعليمي , والاقتصادي , والعسكري , مع الإخلاص لله (عز وجل) في القول والعمل – هي مناط وموضع المباهاة .

أما الكثرة التي تورث الضعف , أو الجهل , أو التخلف عن ركب الحضارة , والتي تكون عبئًا ثقيلًا لا تحتمله ولا يمكن أن تحتمله أو تفي بمتطلباته موارد الدولة وإمكاناتها , فهي الكثرة التي وصفها نبينا (صلى الله عليه وسلم) بأنها كثرة كغثاء السيل , لا غناء منها ولا نفع فيها , فهي كثرة تضر ولا تنفع .

وهذا كله إضافة إلى حقوق الطفل في الرعاية والإرضاع ، حيث يقول الحق سبحانه : {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ}([5]) ، وهذا الإرضاع حق للطفل ، لدرجة أن بعض الفقهاء أطلقوا على اللبن الذي يرضعه الطفل من أم حامل ” لبن الغِيلَة”، وكأن أحد الطفلين اغتال حق أخيه أو أن كلًّا منهما قد اغتال جزءًا من حق أخيه .

وكذلك حقه في التربية السوية ، وفي المطعم والملبس والصحة والتعليم ، أما التقصير في حق الأبناء وعدم الوفاء بواجباتهم في التربية فيعدُّ ظلمًا لهم ، والنبي (صلى الله عليه وسلم) يوضح لنا أننا مسئولون عن أبنائنا الذين هم أمانة في أعناقنا ، فيقول : (كَفَى بِالْمَرْءِ إثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَعُولُ)([6])، ويقول (صلى الله عليه وسلم) : (كُلُّكُمْ راعٍ ، وكُلُّكُمْ مسئولٌ عنْ رعِيَّتِهِ ، والأَمِيرُ رَاعٍ، والرَّجُلُ راعٍ علَى أَهْلِ بَيْتِهِ ، والمرْأَةُ راعِيةٌ عَلَى بيْتِ زَوْجِها وولَدِهِ ، فَكُلُّكُمْ راعٍ ، وكُلُّكُمْ مسئولٌ عنْ رعِيَّتِهِ)([7]).

ولا يجب أن يقتصر تناولنا لهذه القضية على الجوانب الاقتصادية إنما يجب أن يبرز إلى جانب هذه الآثار الاقتصادية كل الآثار الصحية والنفسية والأسرية والمجتمعية التي يمكن أن تنعكس على حياة الأطفال والأبوين والأسرة كلها , ثم المجتمع , فالدولة , فالزيادة السكانية غير المنضبطة لا ينعكس أثرها على الفرد أو الأسرة فحسب , إنما قد تشكل ضررًا بالغًا للدول التي لا تأخذ بأسباب العلم في معالجة قضاياها السكانية, مع تأكيدنا على أن السعة والضيق في هذه القضية لا تقاس بمقاييس الأفراد بمعزل عن أحوال الدول وإمكاناتها وما تستطيع أن توفره من خدمات لا غنى عنها في مجالات الصحة والتعليم والإسكان والطرق والمرافق العامة التي تفي باحتياجات الزيادة السكانية المطردة.

على أن الأحكام في هذه القضية يجب أن تراعي طبيعة الزمان والمكان والحال وظروف كل دولة أو مجتمع على حدة ، فلا نطلق أحكامًا عامة ، ففي الوقت الذي قد تحتاج فيه بعض الدول إلى أيدٍ عاملة ولديها من فرص العمل ومن المقومات والإمكانات وامتداد المساحة وسعة الموارد الكثير , يكون الإنجاب مطلبًا ، وتكون الكثرة كثرة نافعة ومدعاة للتفاخر والمباهاة ، أما في الظروف التي تمر بها بعض الدول في ظل أوضاع لا تمكنها من توفير المقومات الأساسية من الصحة والتعليم والبنى التحتية في حالة الكثرة غير المنضبطة ، وبما يؤدي إلى أن تكون كثرة كغثاء السيل ، فإن أي عاقل يدرك أنه إذا تعارض الكيف والكم فإن العبرة تكون بالكيف لا بالكم , وهنا تكون القلة القوية خيرًا ألف مرة ومرة من الكثرة الضعيفة .

 *        *         *

 

  • صحيح البخاري ،كتاب النكاح ، باب قَوْلِ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم) : (مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ) ، حديث رقم (5065) ، وصحيح مسلم ، كتاب النكاح ، باب اسْتِحْبَابِ النِّكَاحِ لِمَنْ تَاقَتْ نَفْسُهُ إِلَيْهِ وَوَجَدَ مُؤْنَةً ، حديث رقم (3464) .

([2])  سنن النسائي ، كتاب النكاح ، باب كراهية تزويج العقيم ، حديث رقم (3227).

(3)  سنن أبى داود ، كتاب الزكاة ، باب في صِلَةِ الرَّحِمِ ، حديث رقم ( 1694).

([4]) صحيح مسلم ، كتاب القدر ، باب في الأَمْرِ بِالْقُوَّةِ ، وَتَرْكِ الْعَجْزِ ، وَالاِسْتِعَانَةِ بِاللَّهِ ، وَتَفْوِيضِ الْمَقَادِيرِ لِلَّهِ ، حديث رقم (6945) .

([5]) البقرة ، الآية : 233.

([6]) المستدرك للحاكم ، كتاب الفتن والملاحم ، حديث رقم ( 8526 ) .

([7]) متفق عليه: صحيح البخاري ،كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس ، باب العبد راع في مال سيده ولا يعمل إلا بإذنه، حديث رقم (2278) ، صحيح مسلم ، كتاب الإمارة ، باب فَضِيلَةِ الإِمَامِ الْعَادِلِ وَعُقُوبَةِ الْجَائِرِ ، حديث رقم (4828) .

[:]